محمد راغب الطباخ الحلبي

74

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ابن أحمد الشيخ زين الدين البتروني نسبة إلى البترون ، ثم الطرابلسي الشافعي الصوفي ، المشهور بابن الغرامي . قرأ على سيدي علوان الحموي غاية الاختصار والأجرومية وأجاز له كلتيهما ، وتردد إليه مرات في بسط أربع سنوات واستفاد منه عدة استفادات ، ثم خلفه ولده سيدي محمد ، وحفظ ألفية ابن مالك وحلها على بعض النحاة ، واشتغل في التجويد والقراءات والأصولين ، وطالع كتب التفسير والحديث والوعظ ، وعني بخدمة كتب القوم . ثم نظم تصريف الزنجاني في أرجوزة وشرح الجزرية في أرجوزة أخرى ، وسمّط تائية ابن حبيب الصفدي تسميطا جعله لها بمثابة الشرح مستمدا فيه من شرحها لسيدي علوان الحموي . وبلغني أنه أنشد منها قوله من بيت منها : [ وخذ للرفع خفضات ] فقيل له إن في بعض النسخ : [ وخذ للخفض رفعات ] فقال : لم أعرف إلا النسخة الأولى ، وسكت عن القدح في هذه النسخة بتقدير وجودها لاحتمالها التأويل إما بأن المراد وخذ لدفع الخفض ما يوجب الرفعات كما تقول خذ للعدو سلاحا أي لدفعه ، أو بأن المراد وخذ لهذا الداء هذا الدواء كما تقول خذ للقبض مسهلا . وقدم حلب سنة أربع وستين لدين عظيم علاه فتلقاه بعض أهل الخير وأنزله بالكيزوانية بعد أن كان بزاوية الشيخ عبد الكريم ، واجتمع بالشيخ الزين فيها كأنه وافد عليه لأنه من أهل الطريق مثله ، فلم يكرم نزله وإنما وبخه بأنك لم تتهجد الليلة بالصلاة عندنا ، فأجابه بأنه إن لم يكن ذلك فقد ختمت ختمة كاملة من حفظي في تلك الليلة ويومها . ثم لما نزل بالكيزوانية صمم العزم والنية على عمل مجالس وعظ بالجامع الأعظم بحلب ، ففعل فهرع الناس إليه من أقطار حلب وشاع بها ذكره وبعد صيته وحضر مجالسه الرجال والنساء ، وتفنن في مجالسه وجال في ميدان الكلام كأنه عين فارسه لما له من حافظة كأنها في السعة لافظة ، وأبى اللّه تعالى إذن أن يناله الشين من الزين ، غير أن ابن مسلم المغربي سمع أنه أفاد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حي في قبره ، فرام تكفيره ، فبلغه أنه استند في ذلك إلى رسالة للجلال السيوطي ، فبلغ من أمره أن اختفى بحجرة من حجرات الجامع الكبير بجوار كرسي الشيخ زين الدين وسمع وعظه ، ثم خرج خفية وسكت عنه خيفة . ثم كانت وفاة الشيخ عبد الكريم إمام الحنفية بالجامع الكبير ، فعرض إلي بالسعي له في الإمامة فقلت : هي إمامة الحنفية ، فأقدم على أن يقلد الإمام الأعظم ويؤم بهذا الجامع